وَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عِيسَـى مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ، وَتَجَمَّعَ جُمْهُورٌ غَفِيرٌ، فَكَلَّمَهُمْ بِمَثَلٍ وَقَالَ: ”خَرَجَ الزَّارِعُ لِيَزْرَعَ بُزُورَهُ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَزْرَعُ، سَقَطَ بَعْضُ الْحَبِّ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، فَدَاسَتْهُ الْأَقْدَامُ، وَأَكَلَتْهُ طُيُورُ السَّمَاءِ. وَسَقَطَ الْبَعْضُ الْآخَرُ عَلَى الصَّخْرِ، فَلَمَّا طَلَعَ ذَبُلَ لِأَنَّهُ كَانَ بِلَا مَاءٍ. ثُمَّ سَقَطَ الْبَعْضُ بَيْنَ الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ مَعَهُ وَخَنَقَ النَّبَاتَ الصَّغِيرَ. لَكِنَّ الْبَعْضَ الْآخَرَ سَقَطَ عَلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ، فَطَلَعَ وَأَنْتَجَ ضِعْفٍ.“ وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَادَى: ”اِسْمَعُونِي يَا مَنْ لَكُمْ آذَانٌ تَسْمَعُ!“ (لوقا ٤:٨-٨)
ان سيدنا عيسى تحدث بأمثال كثيرة. و قد قصد لنا نحن عماله في القرن الواحد و العشرين ان نقرأها. لقد تحدث سيدنا بهذا المثل في احدى القرى بعد ان تجمع عدد غفير من الناس. هذا يدل على ان سيدنا قصد لكل الناس حتى غير المؤمنين (بشكل غير مباشر) ان يسمعوا هذا المثل. لقد كان التلاميذ في حيرة من قوله. لم يفهموا معنى هذا المثل لذلك شرحه لهم سيدنا عيسى.
سَقَطَ بَعْضُ الْحَبِّ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ
”فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْمَثَلِ: الْبُزُورُ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ. (لوقا ١١:٨) ان البذور هي رسالة المسيح. او بشكل اخر رسالة الاعتماد على المسيح للوصول إلى الجنة. فَالْمَزْرُوعُ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ثُمَّ يَأْتِي إِبْلِيسُ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِكَيْ لَا يُؤْمِنُوا وَيَنْجُوا.(لوقا ١٢:٨) ان ابليس اتى و قبل ان يقبل الناس رسالة المسيح سرق هذه الرسالة من قلوبهم. هؤلاء هم الغالبية من الناس التي شاركت رسالة المسيح معهم. الملفت للإنتباه هنا هو ان ابليس ينزع الكلمة من قلوبهم. هذا يعطينا طريقة للدعاء لهؤلاء الناس. ان الله سبحانه وتعالى يوقف ابليس من نزع كلمة الايمان من قلوب الناس الذين نشارك معهم الرسالة.
وَسَقَطَ الْبَعْضُ الْآخَرُ عَلَى الصَّخْرِ
وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الصَّخْرِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَقْبَلُونَهَا بِفَرَحٍ، وَلَكِنَّهُمْ بِلَا جُذُورٍ، فَيُؤْمِنُونَ فَتْرَةً، ثُمَّ فِي وَقْتِ الْمِحْنَةِ يَتَرَاجَعُونَ.(لوقا ١٣:٨) ان كنت مؤمناً لفترة من الزمن ربما قد تكون تعرفت على بعض الناس الذين “تركوا المسيح!” او “لم يعد يجتمعوا مع المؤمنين” هم في الحقيقة لم يثمروا. قبلوا رسالة المسيح بفرح بدون جذور. عندما تطلب دفع ثمن لإيمانهم هربوا إلى مكان اخر او شيء اخر او جماعة مؤمنين اخرى. ان المحزن في هذا المثل هو ان الصخر لا يصبح ارضاً جيدة ابداً. لكي يثمر بعد ان سقط الحب على الصخر يجب ان ينزع الصخر و ان تحرث الارض و ان نأتي ببذور جديدة و نزرعها.
ثُمَّ سَقَطَ الْبَعْضُ بَيْنَ الشَّوْكِ
وَالَّذِي سَقَطَ بَيْنَ الشَّوْكِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، لَكِنْ بَيْنَمَا هُمْ فِي الطَّرِيقِ، تَخْنُقُهُمُ الْهُمُومُ وَالثَّرْوَةُ وَمَلَذَّاتُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَلَا يَنْضَجُ ثَمَرُهُمْ. (لوقا ١٤:٨) ان ثمرهم لم ينضج لعدة اسباب. اولها الهموم. هموم هذه الحياة سواء ان كان دخلك كثيراً او محدودا او معدوماً. ان لم يكن لديك مال او محتاج إلى شيء مادي و انت تفكر و تكون مهموماً بهذا الشيء. او ان كان لديك مال و لديك همٌ اخر. ان تكون مهموما هو ذنب عظيم لانه سيوقفك عن ان تثمر. السبب الاخر لعدم نضوج الثمر هو الثروة و ملذا الحياة الدنيا. قال لَهُ عِيسَـى: ”إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا، اِذْهَبْ وَبِعْ أَمْلَاكَكَ وَوَزِّعْ ثَمَنَهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَعَالَ اتْبَعْنِي.“ فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ هَذَا الْكَلَامَ، ذَهَبَ مَغْمُومًا لِأَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا جِدًّا. (متى ٢١:١٩-٢٢) هذه القصة توضح لنا ما قصده سيدنا عيسى.
لَكِنَّ الْبَعْضَ الْآخَرَ سَقَطَ عَلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ
وَالَّذِي فِي الْأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، هُوَ الَّذِينَ قَلْبُهُمْ طَيِّبٌ وَصَالِحٌ، فَيَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ وَيَتَمَسَّكُونَ بِهَا، وَيُثَابِرُونَ حَتَّى يُثْمِرُوا. (لوقا ١٥:٨) ان الفرق بين الارض الجيدة و كل الاراضي الاخرى هو انهم يتمسكون بالكلمة و يثابرون حتى يثمروا. ما هو معنى التمسك بالكلمة؟ التمسك باننا سنتبع سيدنا عيسى المسيح مهما كلف الامر. ان نتمسك بكل تعاليمه و ان ننشر رسالته لكي يعرف الناس انه الطريق الوحيد إلى الجنة. ان نعيش حياتنا على هذا الامل. و الشيء الاخر هو ان نثابر او ان نعمل بإجتهاد إلى ان نثمر. ان الارض الجيدة تحتاج إلى نزع الشوك منها و إلى حراثتها بشكل مستمر. لذلك لكي نكون ارض جيدة يجب ان نعلم ما هي الحجارة الموجودة في قلبنا التي يجب ان تنزع لكي نثمر.